محمد بن زكريا الرازي

78

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

النور ليس لها من ذاتها وإنما هو بالقبول من النّور الطالع 8 - ب عليها كقبول الماء والأشياء الصقيلة ؛ وإلا لو كان هذا النّور الضعيف ذاتيّا لهذه لما أمكن نقل هذا المثال إلى العين والدّماغ ولو بأضعف الاستقراء الذي يكون من مثال واحد فقط أو مثالين أو ثلاثة إذ العين والدماغ لا تنير بالليل إنارة هذه . ومنها القول : إنه يخرج من ثقب حدقة الإنسان من النوّر ما يبلغ « 1 » إلى فلك الكواكب الثابتة ، ومعلوم أنّ الإنسان لو كان نارا كله لما امتدّ نوره خمسين فرسخا . فإن قال قائل : إن جالينوس لم يقل إنّ هذا النور يمتدّ بنفسه إلى المبصر بل قال إنه يحيل الهواء المنير إليه ويستمدّه حتى يصل إلى المبصر ، قيل له : هذا أشنع وأفظع أن يكون مقدار هذا النور القليل الذي لا يستبان ولا يقدّر فيما اليراعة « * » له من القوة ما يحيل ما بينه وبين فلك الكواكب الثابتة إلى مثل طباعه ولا في زمان أيضا فكيف يفعل في العالم استحالة هذا مقدارها وزمانها . / وإن لم يكن هذا منكرا فما في الدنيا منكر . 9 - أو نحن نجد النار على أنها أقوى المحيلات لا تبلغ قوّتها جزءا من ألف ألف ألف ألف جزء من هذه القوة بل لا تناسبها البتّة . وأيضا فإنه قد كان هذا النور الخارج من العين يحيل ما بينه وبين المبصر من الهواء المنير ولا يتهيّأ لها ذلك في المظلم ، فما بالنا نرى الكواكب من

--> ( 1 ) بلغ ( م ) . ( * ) اليراعة : هي الحباحب ، وهي حشرة تضيئ في الظلام ( المعجم الوسيط ، والزمخشري ) .